العيني

121

عمدة القاري

يدل على أنهما كانا مسلمين ، لأن البقيع مقبرة المسلمين ، والخطاب لهم . فإن قلت : لِمَ لا يجوز أن يكونا كافرين ، كما ذهب إليه أبو موسى ، وكان دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لهما من خصائصه كما في قصة أبي طالب ؟ قلت : لو كان ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم لبينه ، على أنا نقول : إن هذه القضية متعددة كما ذكرنا ، فيجوز تعدد حال المقبورين . فإن قلت : ذكر البول والنميمة ينافي ذلك ، لأن الكافر ، وإن عذب على أحكام الاسلام ، فإنه يعذب مع ذلك على الكفر بلا خلاف . قلت : لم يبين في حديث جابر المذكور سبب العذاب ما هو ، ولا ذكر فيه الترجي لرفع العذاب ، كما في حديث غيره ، وظهر من ذلك صحة ما ذكرنا من تعدد الحال ، ورد بعضهم احتجاج أبي موسى بالحديث المذكور : بأنه ضعيف ، كما اعترف به . وقد رواه أحمد بإسناد صحيح على شرط مسلم ، وليس فيه ذكر سبب التعذيب ، فهو من تخليط ابن لهيعة . قلت : هذا من تخليط هذا القائل لأن أبا موسى لم يصرح بأنه ضعيف ، بل قال : هذا حديث حسن وإن كان إسناده ليس بقوي ، ولم يعلم هذا القائل الفرق بين الحسن والضعيف ، لأن بعضهم عد الحسن من الصحيح لا قسيمه ، ولذلك يقال للحديث الواحد : إنه حسن صحيح . وقال الترمذي : الحسن ما ليس في إسناده من يتهم بالكذب ، وعبد الله بن لهيعة المصري لا يتهم بالكذب ، على أن طائفة منهم قد صححوا حديثه ووثقوه ، منهم : أحمد ، رضي الله عنه . ومنها : أنه قيل : هل للجريد معنى يخصه في الغرز على القبر لتخفيف العذاب ؟ الجواب : أنه لا لمعنى يخصه ، بل المقصود أن يكون ما فيه رطوبة من أي شجر كان ، ولهذا أنكر الخطابي ومن تبعه وضع الجريد اليابس ، وكذلك ما يفعله أكثر الناس من وضع ما فيه رطوبة من الرياحين والبقول ونحوهما على القبور ليس بشيء ، وإنما السنة الغرز . فإن قلت : في الحديث المذكور : فوضع على كل قبر منهما كسرة . قلت : في رواية الأعمش : ( فغرز ) ، فينبغي أن يغرز ، لأن الوضع يوجد في الغرز بخلاف الوضع فافهم . ومنها أنه النبي صلى الله عليه وسلم علل غرزهما على القبر بأمر معين من العذاب ، ونحن لا نعلم ذلك مطلقاً ؟ الجواب : أنه لا يلزم من كوننا لا نعلم أيعذب أم لا ؟ أن نترك ذلك . أَلاَ ترى أنا ندعو للميت بالرحمة ، ولا نعلم أنه يرحم أم لا ؟ . ومنها : أنه هل لأحد أن يأمر بذلك لأحد أم الشرط أن يباشره بيده ؟ الجواب : أنه لا يلزم ذلك ، والدليل عليه أن بريدة بن الحصيب ، رضي الله عنه ، أوصى أن يوضع على قبره جريدتان ، كما يأتي في هذا الكتاب . وقال بعضهم : ليس في السياق ما يقطع على أنه باشر الوضع بيده الكريمة صلى الله عليه وسلم ، بل يحتمل أن يكون أمر به . قلت : هذا كلام واهٍ جداً ، وكيف يقول ذلك وقد صرح في الحديث : ( ثم دعا بجريدتين فكسرهما فوضع على كل قبر منهما كسرة ) ؟ . وهذا صريح في أنه صلى الله عليه وسلم وضعه بيديه الكريمة ، ودعوى احتمال الأمر لغيره به بعيدة ، وهذه كدعوى احتمال مجيء غلام زيد في قولك : جاء زيد ، ومثل هذا الاحتمال لا يعتد به . 56 ( ( بابُ ما جاءَ فِي غَسْلِ البَوْلِ ) ) أي : هذا باب في بيان ما جاء من الحديث في حكم غسل البول . وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب السابق البول الذي كان سبباً لعذاب صاحبه في قبره ، وهذا الباب في بيان غسل ذلك البول : الألف واللام ، فيه للعهد الخارجي . وأشار به البخاري إلى أن المراد من البول هو : بول الناس ، لأجل إضافة البول إليه في الحديث السابق ، لا جميع الأبوال على ما يأتي تعليقه الدال على ذلك ، فلأجل هذا قال ابن بطال : لا حجة فيه لمن حمله على جميع الأبوال ، ليحتج به في نجاسة بول سائر الحيوانات . وفي كلامه رد على الخطابي حيث قال : فيه دليل على نجاسة الأبوال كلها ، وليس كذلك ، بل الأبوال غير أبوال الناس على نوعين : أحدهما : نجسة مثل بول الناس يلتحق به لعدم الفارق ، والآخر : طاهرة عند من يقول بطهارتها ، ولهم أدلة أخرى في ذلك . وقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لِصاحبِ القَبْرِ كان لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ سِوَى بَوْلِ النَّاسِ هذا تعليق من البخاري ، وإسناده في الباب السابق ، وقد قلنا : إنه أراد به الإشارة إلى أن المراد من البول المذكور هو بول الناس لا سائر الأبوال ، فلذلك قال : ( ولم يذكر سوى بول الناس ) ، وهو من كلامه ، نبه به على ما ذكرناه . وقال الكرماني :